وصيّةُ الأرض لا ترثوا الحرب
بقلم عزيز منتصر
لا تتركوا الحربَ
وصيّةً لأبنائكم،
ولا تكتبوا أسماءهم
على دخانِ البنادق.
علّموهم
كيف يُصغونَ إلى العشبِ
حين ينمو ببطء،
وكيف يُصدّقون
أنَّ الضوء
لا يحتاجُ إلى دمٍ
كي يسطع.
قولوا لهم:
هذه الأرضُ ليستْ ساحةً،
بل قلبٌ واسعٌ
إن أحسنتم الإصغاءَ إليه
نبضَ بكم…
لا عليكم.
لا تقسّموا السماءَ
بين رايةٍ وأخرى،
فهي لا تعرفُ الحدود،
ولا تعترفُ
بغيرِ الطيورِ التي تعبرها
بلا جوازِ خوف.
أيها العابرونَ
من حربٍ إلى حرب،
خفّفوا من ثقلِكم…
فالأرضُ
تئنُّ تحت خطاكم،
والتاريخُ
تعبَ من تكرارِ الجرح.
كم مرّةً
يجبُ أن تسقطَ المدنُ
كي نفهم
أنَّ الركامَ لا يبني وطنًا؟
وكم طفلًا
يجبُ أن يكبرَ
قبل أوانه
كي ندرك
أنَّ الطفولةَ
ليستْ خطأً يجبُ تصحيحه؟
السَّلامُ ليسَ هدنةً
بين تعبٍ وتعب،
ولا استراحةً
في طريقِ القتل.
السَّلامُ
أن نعيدَ تعريفَ الإنسان:
ككائنٍ يرى
في وجهِ الآخر
امتدادَهُ…
لا نهايتَه.
أن نخلعَ عن الكلماتِ
ذاكرةَ السكين،
ونتركها
تتعلّمُ النطقَ من جديد:
حبًّا…
وخبزًا…
وأملاً.
أن نمشي على الأرضِ
كما يمشي الغيمُ:
خفيفين،
لا نكسرُ شيئًا
سوى صمتِنا.
قولوا للأمّهاتِ:
لن نعيدَ إليكنَّ الفقد،
سنحرسُ أسماءَ أبنائكنَّ
من السقوطِ
في نشرةِ الأخبار.
وقولوا للأطفالِ:
اكتبوا غدَكم
كما تشاؤون،
لن نضعَ في دفاتركم
رصاصةً
بدلَ الحروف.
أيها العالمُ،
جرّبْ
أن تكونَ أقلَّ قسوة،
ستكتشفُ
أنَّ النجاةَ
ليست معجزة.
وأنَّ الإنسانَ
حين يختارُ
أن لا يقتل—
يبدأُ
بإنقاذِ نفسه.
السَّلامُ
ليس فكرةً تُقال،
بل قرارٌ صغير
يتّخذهُ قلبٌ واحد،
ثم ينتشرُ
كضوءٍ
لا يمكنُ إيقافُه.
ومن هذا القرار،
من هذا الهدوءِ الخفي،
تولدُ أرضٌ جديدة:
لا تُقاسُ بانتصاراتها،
بل بعددِ المرّاتِ
التي انتصرتْ فيها
على رغبتها في الحرب.
