حين يتذكّرنا الحب
بقلم عزيز منتصر
أنتظر الليل، يا حبيبتي،
لا لأن العتمة تمنحني السكينة،
بل لأن النجوم تعرف كيف تحفظ الأسرار،
ولأن لديّ منكِ من الأسرار
ما لا أستطيع أن أئتمن عليه النهار.
غيابكِ ليس غرفةً فارغة،
بل كونٌ آخر
بنيتُه داخل صدري،
كل جدارٍ فيه يتذكّر يديكِ،
وكل نافذةٍ تنتظر عينيكِ،
وكل صمتٍ
ينطق باسمكِ.
لقد تعلّمت أن الزمن لصٌّ غريب؛
يسرق ساعاتنا،
وشبابنا،
ودفء اليد التي أمسكناها ذات يوم،
لكنه عاجزٌ عن سرقة
ما كتبه الحب
تحت جلد الروح.
ولعلّ لهذا السبب
ما زلتُ أنتظر.
فما الحب
إن لم يكن ذلك التمرّد الجميل
لقلبٍ يرفض أن يصدّق
أن كل شيءٍ
لا بد أن يزول؟
أتذكّركِ
كما يتذكّر البحرُ القمر؛
لا بأن يمسكه،
بل بأن يظلّ يصعد نحوه
كل ليلة.
وحين أهمس:
«عودي إليّ يا حبيبتي»
فأنا لا أطلب منكِ
أن تعبرِي مسافةً.
إنني أطلب منكِ
أن تعيدي إليّ روحي،
إلى المكان
الذي وجدتها فيه.
فأنا قبلكِ
كنت أتنفّس،
لكنني لم أكن حيًّا
بكامل معنى الحياة.
دخلتِ حياتي
كفجرٍ مفاجئ
إلى بيتٍ هجره الضوء،
ولامستِ أنقاض قلبي
حتى بدأت الحجارة المكسورة
تُزهر.
والآن، كلما مرّت الريح
من بين الستائر،
أتخيّل أنها تحمل
عطر حضوركِ.
وكلما لامس المطرُ الأرض،
أتذكّر دموعكِ.
وكلما عبر طائرٌ
سماء المساء،
أتساءل:
هل الحرية
ليست اسمًا آخر للشوق؟
وربما هي كذلك.
ربما كل كائنٍ في هذا الوجود
يسافر سرًّا
نحو شخصٍ ما.
النهرُ نحو البحر،
والليلُ نحو الصباح،
والقلبُ الجريحُ نحو الغفران،
وأنا…
أسافر إلى الأبد
نحوكِ.
أحيانًا أسأل الكون:
لماذا يخلق روحين
ثم يضع بينهما المحيطات؟
ثم أفهم…
أن الحب ليس غياب المسافة،
بل القوة التي
تجعل المسافة بلا معنى.
فليأتِ الزمن بما يشاء.
ولتتبدّل الفصول،
ولتخلع السنواتُ ثيابَها القديمة،
ولتستسلم خصلات شعرنا
للون الفضة،
ولتتعلم أيدينا
لغةً جديدة من الارتجاف والشيخوخة.
سأختاركِ
دائمًا.
ليس لأنكِ أبدية،
بل لأن الموت نفسه
يصبح جميلًا
حين يكون العمر معكِ.
فذات يوم،
ستختفي خطواتنا،
وتصبح أصواتنا ذكريات،
وسيمضي العالم
كأننا لم نكن هنا يومًا.
لكن ربما،
في مكانٍ خفيّ
من هندسة الوجود،
سيبقى قلبان…
كنجمين
يواصل ضوؤهما السفر
حتى بعد أن يكون النجمان
قد اختفيا.
وإذا كان هذا
كل ما يستطيع الحب أن يمنحنا—
نورًا واحدًا
ينجو من عتمتنا،
فدعيني أحبكِ
حتى يتحول نَفَسي الأخير
إلى قصيدة،
وحتى تصبح آخر نبضةٍ في قلبي
بابًا هادئًا…
وحين أعبر ذلك الباب،
أجدكِ من جديد.